الحلبي
198
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وتقدم أنه صلى اللّه عليه وسلم من حين سيره : أي من مكة صارت الغمامة تظله ، فإن كانت غير الملكين ، فالغمامة كانت تظله في الذهاب والملكان يظلانه في العود ، ولعل عدم ذكر ميسرة لخديجة تظليل الغمامة له صلى اللّه عليه وسلم في ذهابه أنه لم يفطن لها مثلا ، ولكن سيأتي في كلام صاحب الهمزية ما يدل على أن الملكين هما الغمامة . وفيه وقوع رؤية البشر غير نبينا صلى اللّه عليه وسلم للملائكة غير جبريل ، وسيأتي رؤية جمع من الصحابة لجبريل . وفي المنقذ من الضلال للغزالي أن الصوفية يشاهدون الملائكة في يقظتهم : أي لحصول طهارة نفوسهم ، وتزكية قلوبهم ، وقطعهم العلائق ، وحسمهم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال ، وإقبالهم على اللّه تعالى بالكلية علما دائما وعملا مستمرا ، واللّه أعلم . قال : ولم أقف على اسم الرجل الذي حالفه : أي استحلفه . وقال الحافظ ابن حجر : لم أقف على رواية صحيحة صريحة فيه بأنه : أي ميسرة بقي إلى البعثة انتهى . ثم إن خديجة ذكرت ما رأته من الآيات وما حدثها به غلامها ميسرة لابن عمها ورقة بن نوفل وكان نصرانيا : أي بعد أن كان يهوديا على ما يأتي ، قد تتبع الكتب ، فقال لها : إن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا نبي هذه الأمة ، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي منتظر هذا زمانه : أي وكان صلى اللّه عليه وسلم يتجر قبل النبوة قبل أن يتجر لخديجة ، وكان شريكا للسائب بن أبي السائب صيفي . ولما قدم عليه السائب يوم فتح مكة قال له : مرحبا بأخي وشريكي ، كان لا يداري : أي لا يرائي ، ولا يماري : أي يخاصم صاحبه ، وهذا يدل على أن قوله كان لا يداري الخ من مقولة صلى اللّه عليه وسلم . وقد قال فقهاؤنا : والأصل في الشركة خبر السائب بن يزيد أنه كان شريكا للنبي صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة ، وافتخر بشركته بعد المبعث : أي قال : كان صلى اللّه عليه وسلم نعم الشريك لا يداري ولا يماري ولا يشاري . والمشاراة : المشاحة في الأمر واللجاج فيه ، وهو يدل على أن ذلك كان من مقول السائب . ولا مانع أن يكون كل من النبي صلى اللّه عليه وسلم والسائب قال في حق الآخر : كان لا يداري ولا يماري . وبهذا يندفع قول بعضهم : اختلفت الروايات في هذا الكلام الذي هو كان خير شريك ، كان لا يشاري ، ولا يماري ، فمنهم من يجعله من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في السائب ، ومنهم من يجعله من قول السائب في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم . ويمكن أن لا يكون مخالفة بين السائب بن أبي السائب صيفي وبين السائب بن يزيد ، لأنه يجوز أن يكون صيفي لقبا لوالده اسمه يزيد .